القاضي التنوخي
259
الفرج بعد الشدة
456 قصة الأخوين عاد وشدّاد وحكى عبيد اللّه بن محمد بن الحسن العبقسي الشاعر ، قال : حدّثني شاعر كان يعرف بغلام أبي الغوث ، قال : كنت من أهل قرية من نواحي الشام ، أسكنها أنا وأسلافي ، فكنّا نطحن أقواتنا في رحى ماء على فراسخ من البلد ، يخرج إليها أهل البلد وأهل القرى المجاورة بغلّاتهم ، فتكثر ، فلا يتمكّن من الطحن إلّا الأقوى فالأقوى . فمضيت مرّة ومعي غلّة ، وحملت معي خبزا ولحما مطبوخا يكفيني لأيّام ، وكان الزمان شاتيا ، لأقيم على الرحى ، حتى يخفّ الناس فأطحن فيها ، على عادتي تلك . فلما صرت عند الرحى ، حططت أعدالي « 1 » ، وجلست في موضع نزه ، وفرشت سفرتي لآكل . واجتاز بي رجل عظيم الخلقة ، فدعوته ليأكل ، فجلس فأكل كلّما كان في سفرتي ، حتى لم يدع فيها شيئا ، ولا أوقيّة واحدة . فعجبت من ذلك عجبا شديدا بان [ 265 غ ] له فيّ ، فأمسك ، وغسلنا أيدينا . فقال لي : على أي شيء مقامك هنا ؟ فقلت : لأطحن هذه الغلّة . فقال لي : فلم لا تطحنها اليوم ، فأخبرته بسبب تعذّر ذلك عليّ . قال : فثار كالجمل ، حتى شقّ الناس وهم مزدحمون على الرحى ، وهي
--> ( 1 ) العدل ، بكسر العين : الغرارة ، تحمّل بها الدابة على أحد جانبي ظهرها ، وتعدّل بأخرى تعادلها على الجانب الثاني ، جمعه أعدال ، وعدول .